اسمع المقالة بدلا من قرأتها:
1 نوفمبر 2026
اليوم أتممت عامي الأربعين.
أربعون عامًا من الحياة، والتجارب، والأحلام، والنجاحات والإخفاقات، والقرارات التي أصبت في بعضها وأخطأت في بعضها الآخر.
أربعون عامًا مضت، وما زلت أشعر أن أمامي الكثير لأتعلمه، والكثير لأحققه، والأهم من ذلك، الكثير لأقدمه.
لطالما نظرت إلى العمر باعتباره أكثر من مجرد رقم، لكن بلوغ الأربعين جعلني أتوقف أمام سؤال لم أكن أطرحه على نفسي بالطريقة نفسها من قبل:
هل أقيس نجاح حياتي بما حققته حتى اليوم، أم بما سأتركه من أثر في السنوات القادمة؟
وجدت أن هذا السؤال ليس جديدًا، وأن الكثير من المفكرين والفلاسفة تناولوا سن الأربعين باعتبارها مرحلة مختلفة من النضج والإدراك.
الأربعون في عيون المفكرين
يقول بنجامين فرانكلين في إحدى حكمه الشهيرة، بمعناها العربي:
«في العشرين تسود الإرادة، وفي الثلاثين يسود الذكاء، وفي الأربعين يسود حسن التقدير».
كلما تأملت هذه المقولة، وجدت فيها شيئًا من تجربتي الشخصية.
في العشرينات، كنت مدفوعًا بالحماس والرغبة في التجربة وإثبات الذات. بدأت مبكرًا في عالم التقنية والعمل الحر، وخضت تجارب ريادية قبل أن تتضح أمامي معالم مساري المهني.
وفي الثلاثينات، اتسعت التجارب والمسؤوليات. تنقلت بين تطوير الأعمال، وإدارة المنتجات، والشراكات، والاستراتيجية، والقيادة، وعملت في مؤسسات مختلفة أتاحت لي فرصة التعلم والمساهمة في مبادرات ومشاريع وطنية.
تعلمت خلال تلك السنوات أن امتلاك المعرفة شيء، والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب شيء آخر.
أما اليوم، وأنا أدخل الأربعين، فأجد نفسي أكثر اهتمامًا بجودة القرارات من كثرتها، وبالأثر من حجم الإنجاز، وبناء ما يستمر بدلًا من الاكتفاء بتحقيق نتائج مؤقتة.
ولعل الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور عبّر عن معنى قريب حين شبّه السنوات الأربعين الأولى من الحياة بالنص، والسنوات التالية بالتعليق الذي يكشف معاني ذلك النص.
أعجبتني هذه الفكرة.
فربما لا نحتاج في النصف الثاني من حياتنا إلى كتابة قصة جديدة بالكامل، بقدر ما نحتاج إلى فهم القصة التي عشناها، واستخلاص دروسها، وتوظيفها فيما هو أنفع.
وفي عام 1932، نشر الكاتب الأمريكي والتر بيتكين كتابًا بعنوان «الحياة تبدأ في الأربعين».
لا أعتقد أن الحياة تبدأ فعلًا في عمر محدد، لكنني أؤمن أن بعض مراحلها لا تبدأ إلا عندما تتراكم لدينا التجارب الكافية لفهم أنفسنا، ومعرفة ما نريد، والتمييز بين ما يستحق أن نسعى إليه وما لا يستحق.
الأربعون في القرآن الكريم والسيرة النبوية
وإذا كانت بعض الكتابات الغربية قد ربطت الأربعين بالحكمة والنضج، فإنني أجد في القرآن الكريم معنى أعمق وأقرب إلى نفسي.
يقول الله تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
سورة الأحقاف، الآية 15.
تأملت هذه الآية كثيرًا.
ففيها شكر على ما مضى، ومسؤولية تجاه ما هو حاضر، ودعاء بصلاح ما سيأتي من خلال الذرية.
وكأن بلوغ الأربعين يذكّر الإنسان بأن حياته لا تتمحور حول ذاته فقط، بل تشمل والديه، وأسرته، وأبناءه، وأعماله، وما يستطيع تقديمه للآخرين.
ومن أعظم الأحداث المرتبطة بهذا العمر أن النبي محمدًا ﷺ بدأ يتلقى الوحي في سن الأربعين، كما ثبت في صحيح البخاري.
وبالطبع، لا تُقارن حياة أحد بحياة الأنبياء ورسالاتهم، لكن هذا الحدث العظيم يذكرني بأن الأربعين ليست بالضرورة مرحلة انتهاء العطاء، وأن سنوات التجربة والتكوين قد تسبق مراحل عظيمة من المسؤولية.
وهنا وجدت معنى يجمع بين هذه التأملات:
ربما تكون السنوات الأولى من العمر مرحلة بناء الإنسان لنفسه، وتصبح السنوات التالية فرصة أكبر لتوظيف ما تعلمه في خدمة غيره.
أربعون عامًا من التجربة… وما زلت أتعلم
عندما أعود بذاكرتي إلى بداياتي، أرى شابًا شغوفًا بالتقنية والإنترنت، يحاول بناء مشاريعه الخاصة، ويتعلم من التجربة أكثر مما يتعلم من الكتب.
لم تكن لدي خريطة واضحة لكل ما سيأتي.
بدأت في تصميم المواقع والأعمال الرقمية، وخضت تجارب ريادية، ثم دخلت عالم الأعمال والتقنية، وتدرجت بين إدارة المشاريع والمنتجات وتطوير الأعمال والشراكات، وصولًا إلى مسؤوليات القيادة التنفيذية.
وفي كل مرحلة، كنت أكتشف أن ما أعرفه أقل بكثير مما أحتاج إلى معرفته.
تعلمت أن الفكرة الجيدة لا تكفي لبناء مشروع ناجح، وأن المنتج الجيد لا يعني بالضرورة وجود عمل تجاري مستدام، وأن النمو لا يعني دائمًا الربحية، وأن قيادة الناس أصعب بكثير من إدارة المهام.
وتعلمت أن النجاح لا يصنعه فرد مهما بلغت قدراته، بل تصنعه فرق تؤمن بما تعمل عليه، وبيئة تسمح لها بالتجربة، وقيادة تتحمل مسؤولية القرارات الصعبة.
ومع اتساع مسؤولياتي المهنية، أصبحت أرى القرارات من زوايا متعددة: العميل، والموظف، والمنتج، والسوق، والاستدامة المالية، ومستقبل المؤسسة.
ولا أدعي أنني أتقنت ذلك كله.
ما زلت أتعلم، وأراجع بعض قناعاتي، وأكتشف أحيانًا أن القرارات التي بدت صحيحة في وقتها لم تكن الأفضل على المدى البعيد.
لكنني أصبحت أكثر تقبلًا لهذه الحقيقة.
النضج في نظري ليس أن تصبح شخصًا يمتلك جميع الإجابات، بل أن تصبح أكثر قدرة على طرح الأسئلة الصحيحة.
الإصرار بين حماس البدايات وحكمة التجربة
لطالما كان الإصرار والطموح جزءًا من شخصيتي.
في بداياتي، كنت أرى الإصرار في الاستمرار مهما كانت الصعوبات، وأعتقد أن التمسك بالفكرة والعمل عليها لفترة أطول كفيلان بتحقيق النجاح.
لكن السنوات والتجارب علمتني أن الإصرار لا يعني دائمًا الاستمرار في الاتجاه نفسه.
أحيانًا تكون الشجاعة في أن تتراجع خطوة، أو تعيد النظر في قرار، أو تتخلى عن فكرة استثمرت فيها الكثير من الوقت والجهد.
تعلمت أن هناك فرقًا بين الإصرار على تحقيق الهدف، والإصرار على الطريقة التي اخترناها للوصول إليه.
وأن تغيير المسار لا يعني بالضرورة الاستسلام، بل قد يكون القرار الأكثر نضجًا.
في العشرينات، كنت أعتقد أن الطموح يعني أن أطرق كل باب، وأخوض كل فرصة، وأثبت قدرتي على مواجهة كل تحدٍّ.
أما اليوم، فأصبحت أؤمن بأن الطموح يحتاج أيضًا إلى القدرة على الاختيار، وأن معرفة ما لا ينبغي أن نفعله لا تقل أهمية عن معرفة ما نريد فعله.
لم يتراجع طموحي مع العمر، لكنني أرجو أنني أصبحت أكثر حكمة في توجيهه.
من بناء المسيرة المهنية إلى صناعة الأثر
في مراحل سابقة من حياتي، كان النجاح بالنسبة لي مرتبطًا بالتقدم المهني، وتحقيق الإنجازات، وتولي مسؤوليات أكبر.
ولا يزال الطموح جزءًا أساسيًا من شخصيتي، لكن نظرتي إليه بدأت تتغير.
أصبحت أكثر اهتمامًا ببناء المؤسسات الناجحة، وصناعة القرارات التي تحقق أثرًا طويل المدى، والمساهمة في تطوير الأعمال والقيادات.
وأتطلع في السنوات القادمة إلى توظيف ما اكتسبته من خبرات في مجالات أوسع من القيادة والاستثمار والحوكمة، والمساهمة في دعم رواد الأعمال وأصحاب الأفكار الواعدة.
لم تعد طموحاتي تقتصر على ما يمكنني تحقيقه بنفسي، بل أصبحت تشمل ما يمكنني المساهمة في بنائه مع الآخرين.
أريد أن أكون جزءًا من قصص نجاح جديدة، وأن أساعد في بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والنمو، وأن أنقل ما تعلمته إلى من يمكنهم الاستفادة منه.
لا أعرف إلى أين ستقودني السنوات القادمة، لكنني أعرف أنني أريد أن أكون مستعدًا للفرص والمسؤوليات التي قد تحملها.
فربما لا يكون السؤال الأهم في هذه المرحلة: ما المنصب الذي أريد الوصول إليه؟ بل ما القيمة التي أستطيع إضافتها، وأين يمكن أن يكون أثري أكبر؟
النجاح الذي لا يظهر في السيرة الذاتية
وسط الحديث عن العمل والطموح والمستقبل، هناك جانب من حياتي لا يمكن اختزاله في المناصب أو الإنجازات.
أسرتي.
كلما تقدمت في العمر، أدركت أن الوقت الذي أقضيه مع زوجتي وأبنائي، والعلاقة التي أبنيها معهم، والقيم التي أتركها في نفوسهم، لا تقل أهمية عن أي إنجاز مهني.
بل ربما تكون أكثر بقاءً وأعمق أثرًا.
فما قيمة أن تنجح في بناء المؤسسات إذا أخفقت في بناء علاقة قوية مع أبنائك؟
وما قيمة أن تحقق الاستقلال المالي إذا لم تجد الوقت للاستمتاع بالحياة مع من تحب؟
وما قيمة أن تصل إلى أعلى المناصب إذا كان ثمن ذلك صحتك أو راحة بالك أو مبادئك؟
هذه أسئلة أصبحت أطرحها على نفسي بجدية أكبر.
ولا أملك لها إجابات مثالية، لكنني أصبحت أكثر وعيًا بأن النجاح الحقيقي يحتاج إلى توازن، وأن بعض الأشياء إذا فات وقتها لا يمكن تعويضها.
ماذا أريد من السنوات القادمة؟
لا أعرف كم بقي لي من العمر، فالأعمار بيد الله وحده.
لكنني أعرف كيف أريد أن أعيش ما تبقى منه.
أريد أن أستمر في التعلم، حتى عندما أظن أنني أصبحت خبيرًا.
أريد أن أواصل العمل والطموح، لكن دون أن أفقد القدرة على الاستمتاع بالحاضر.
أريد أن أساهم في بناء مؤسسات ومنتجات وأعمال تستمر وتنجح، حتى بعد أن تنتهي علاقتي المباشرة بها.
أريد أن أساعد شبابًا ورواد أعمال على اختصار بعض الطرق التي سلكتها، وتجنب بعض الأخطاء التي ارتكبتها.
أريد أن أكون أبًا حاضرًا، وزوجًا أفضل، وابنًا بارًا، وإنسانًا أكثر نفعًا لمن حوله.
وأريد، قبل كل ذلك وبعده، أن أكون ممن يشكرون الله على نعمه، ويحسنون استخدام ما آتاهم من وقت وعلم وقدرة وفرص.
الأربعون ليست خط النهاية
ربما كان والتر بيتكين محقًا حين اختار لكتابه عنوان «الحياة تبدأ في الأربعين».
وربما كان شوبنهاور محقًا حين رأى أن السنوات التالية تمنحنا فرصة لفهم ما كتبته السنوات السابقة.
وربما كان فرانكلين محقًا حين ربط الأربعين بنضج الحكم والتقدير.
لكنني أجد المعنى الذي أريد أن أحمله معي في هذه المرحلة أقرب إلى دعاء القرآن الكريم:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾.
اليوم، وأنا أتم الأربعين، لا أشعر أنني وصلت إلى قمة ما أطمح إليه.
بل أشعر أنني وصلت إلى مرحلة أستطيع فيها أن أفهم طموحاتي بصورة أفضل، وأن أختار معاركي بعناية أكبر، وأن أستخدم ما تعلمته خلال السنوات الماضية فيما هو أنفع وأبقى.
لم تعد المسألة بالنسبة لي مجرد سؤال: إلى أين أريد أن أصل؟
بل أصبحت أيضًا: من أريد أن أكون خلال الطريق؟ ومن سيستفيد من وصولي؟ وماذا سيبقى بعد رحيلي؟
قضيت أربعين عامًا أبني خبرتي وأبحث عن طريقي، وأرجو أن تكون السنوات القادمة فرصة لتحويل تلك الخبرة إلى أثر يتجاوز حدود نجاحي الشخصي.
فالحمد لله على ما مضى، وله الشكر على ما أنا فيه، ومنه أرجو التوفيق فيما هو آتٍ.
خالد عدنان جوهرجي
في يوم ميلادي الأربعين، 1 نوفمبر 2026.
